محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
57
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
المطالب بها في العهد أو الميثاق ( العهد الكائن بين اللّه والإنسان ) . بمعنى انه ينبغي على الإنسان أن يطيع اللّه ويعبده مقابل إسباغ النعم عليه من قبل اللّه . والعنف يدلّ عليه بشكل غير مباشر في الآية عن طريق أفعال من نوع : قتل ، حاصر ، أسر ، كمن ( للعدو ) . وهي أفعال تدل على عمليات شائعة في جميع الحروب . ولكن العنف لم يدلّ عليه هنا بطريقة مباشرة بواسطة فعل « عنف » أو كلمة العنف ذاتها . ولكنه ، على أي حال ، يجبرنا على فتح مناقشة عن المشروعية كما نفعل هنا ، وأقصد بذلك مشروعية العنف . بالطبع ، إن المؤمنين يكتفون بذكر اسم اللّه ورسوله والتحجّج بهما من أجل إضفاء القدسية والمشروعية على جميع مفردات الحرب الواردة هنا . وهم مقتنعون بأنهم إنما يعملون بذلك من أجل أشرف القضايا . وهذه المجابهة بين الشعور بامتلاك الحق المرتكز على المرجعية المطلقة التي لا تناقش ولا تمس ( أي اللّه ، أو الأمة ، أو الوطن ، أو الشرف والعرض ) ، وبين انتهاكات الحق أو القانون من قبل أناس مقطوعين عن هذه المرجعية ، موجودة في جميع الصراعات البشرية ، وإن بدرجات متفاوتة من الوعي . فدائما باسم المثلث « قانون - حقيقة - عدالة » ، وهو المثلث المدعو في القرآن بكلمة واحدة : الحقّ ، أقول دائما باسم ذلك تخوض كل جماعة معركتها ضد المعارضين لها . وهؤلاء المعارضون سرعان ما يرمون في معسكر الظلم وإنكار الحقيقة والقانون . ينبغي أن نعلم أن استخدام العنف بصفته ردا مشروعا على الاعتداء الموجّه ضد حقيقة الوحي ، لم يتعرّض لتبرير لاهوتي في القرآن . ولكنه كان مبجّلا في التراث الشعري العربي السابق كثيرا على القرآن . فالتعارض كان مشهورا بين المحاسن / والمثالب ، أو بين الفضائل / والنقائص . ويلخّص هذا التعارض مفهوما عربيا غنيا جدا ، هو مفهوم العرض . وهذا التعارض ينزل العنف الحربي منزلة أخلاقية وسياسية مستبطنة من قبل الجميع منذ الطفولة . وبالتالي ، فإننا سنرتكب مغالطة تاريخية إذا ما رأينا معضلة لاهوتية في آيات سورة التوبة التي تدعو إلى الحرب العادلة باسم اللّه ورسوله . ينبغي علينا ، بادئ ذي بدء ، أن نقوم بدراسة تاريخية دقيقة للمضامين المعنوية والانتربولوجية للآيات المذكورة ، وذلك قبل أن نفكّر بتفحّص المسألة اللاهوتية أو المعضلة اللاهوتية . وهي ، على كل حال ، لا تهمّ إلّا إرادة الحركيّين الأصوليين المعلنة في تطبيق هذه الآيات ذاتها على سياقنا الأخلاقي ، والقانوني والسياسي الحديث . كان البابا يوحنا بولس الثاني قد أعلن قبل فترة قصيرة ( في 12 / 3 / 2000 ) توبة عامة عن جميع أعمال العنف التي ارتكبها بعض المسيحيين على مدار تاريخ الكنيسة الطويل . كما واعتذر عن أعمال الاضطهاد التي حصلت والانحراف عن مبادئ الإنجيل . إن هذه التوبة ذات مدلول لاهوتي عالي المستوى ، وتتخذ أهمية كبرى في سياق ثقافتنا الحديثة التي تفكّر في العنف من خلال مبادئ فلسفية ومعايير قانونية كانت تستعصي على التفكير بالنسبة